أحمد ابراهيم الهواري
35
من تاريخ الطب الإسلامي
لقد تلقى جالينوس دروسه الأولى في مسقط رأسه ، ثم استمر في تلقى العلم في جزيرة كورينتس Corintes ، ثم رحل إلى الإسكندرية ، فتلقى فيها الطب علما وعملا ، ثم شدّ رحاله إلى جزيرة قبرص وجزائر أخرى من جزائر البحر الأبيض المتوسط وفلسطين ، وكانت رحلاته كلها للدرس والبحث عن الأعشاب الطبية والاتصال بعلماء تلك البلاد ، ثم عاد بعدها إلى موطنه ومارس مهنة الطب هناك مدة ، ثم استقرّ به المقام في روما وأسس فيها حلقة لدرس الطب في حمى مارك أورل . وكان عالما محبا للعلماء والفلاسفة واشتغل أيضا بمزاولة الطب هناك ، وكان يقوم في نفس الوقت بتربية جماعة من تلاميذه كما كان يقوم بتأليف مؤلفات مهمة في علم الطب أصبحت فيما بعد مصدرا من أهم مصادر الطب الإسلامي . وكان جالينوس يعد بصفة خاصة أستاذ علم التشريح غير منازع مدى أربعة عشر قرنا ، أي من القرن الثاني للميلاد إلى القرن السادس عشر منه . وكان جميع أطباء القرون الوسطى ومن ضمنهم الأطباء المسلمون يدرسون التشريح عن طريق مؤلفاته ، حتى ظهر في القرن السادس عشر للميلاد الطبيب البلجيكى الشهير فزال من علماء التشريح الكبار « 1 » مؤلف في التشريح برهن فيه على وجود نقائض في تشريح جالينوس فأسقطه من الاعتبار . والخلاصة أن اليونانيين وضعوا أساس علم الطب بالاستعانة بمعارف سائر الأمم وتجاربهم . ومن أهم رجالهم في هذا الصدد بقراط العظيم الذي أقام بحوثه على أساس البحث والتحليل والنقد العلمي والتجارب ، فأبرزه لنا بصورة علمية صحيحة ؛ وسعى خلفاؤه من بعده في هذا البناء على تلك القواعد المتينة . ثم تقدمت الدراسات الطبية في الإسكندرية ؛ وظهر بعد ذلك جالينوس في القرن الثاني فدون معارف العلماء المتقدمين وأظهرها بصورة علمية منظمة واضحة . وقد تهيأت مقدمات سقوط إمبراطورية روما الغربية نتيجة لضعفها وفساد الإدارة فيها وحدوث حوادث اجتماعية وسياسية مختلفة ، ووقوع حروب وتفشى أمراض ، ثم سقطت تلك الإمبراطورية ، ونتج عن سقوطها أن مراكز العلم والحضارة أصبحت هدفا لهجوم القبائل البربرية ؛ إذ إن هؤلاء البرابرة انحدروا من جبال الألب واستولوا على إيطاليا ، وكان من جراء
--> ( 1 ) - Anbre Vesale أكبر علماء التشريح في القرن السادس عشر للميلاد ، وقد كان يقوم بتشريح جثث الموتى طبقا للطرق العلمية الصحيحة وله مؤلف عظيم في التشريح أوضح فيه الأخطاء الموجودة في تشريح جالينوس .